محمد أحمد قاسم / محيي الدين ديب
29
علوم البلاغة ( البديع والبيان والمعاني )
إن الكلام على غرابة اللفظ حمل النقاد على الحديث عن التفاضل بين لفظ وآخر . ورأى الجرجاني أن الكلمتين المفردتين لا تتفاضلان « 1 » « من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه ، من التأليف والنظم ، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة ، وتلك غريبة وحشيّة ، أو أن تكون حروف هذه أخف ، وامتزاجها أحسن » . وإذا كان الجرجاني قد فضل الكلمة المألوفة على الغريبة الوحشية ، والخفيفة على اللسان على الثقيلة عليه ، فإنه في الواقع قد أهمل الدوافع النفسية التي تحمل الشاعر على تفضيل الغريب مع قدرته على استخدام المألوف كتلك التي حملت المتنبي على تفضيل ( جفخت ) على ( فخرت ) . ولعل الجرجاني قد أدرك الخلل في نظرته هذه إلى التفاضل فقال : « فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ، ولا من حيث هي كلمة مفردة ، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها ، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ » . وهكذا يرى الجرجاني أن الفصاحة والبلاغة ليستا في اللفظ المفرد إلا إذا انتظم في سياق . وهو محقّ في ذلك لأن الكلمة بمفردها مشروع معنى يحدّده ويقيّده السياق . وإذا كان الجرجاني قد ذهب إلى أن « 2 » « الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر » فإنني أذهب إلى أن ( جفخت ) فصيحة في سياقها على الرغم من تنافر حروفها وحوشيتها ؛ لأنها رصفت في سياق لا يليق به غيرها .
--> ( 1 ) . دلائل الإعجاز ، الجرجاني ، ص 36 . ( 2 ) . دلائل الإعجاز ، الجرجاني ، ص 38 .